محمد حسين علي الصغير

99

تاريخ القرآن

القراءات كما كانت في عهد الرسول الأعظم ، ونحن وإن كنا لا ننكر جزءا ضئيلا من هذا ، إلا أن الواقع المرير لتلك الروايات القائلة باختلاف القراءات في عهد النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لا تستند إلى حقيقة تأريخية معينة يصرح فيها بنوعية هذا الاختلاف في القراءة ، ولا تعطينا نماذج مقنعة بكيفية هذه القراءات المختلفة ، بل تذهب مذاهب التعميم الفضفاض الذي لا يقره المنهج العلمي ، وذلك أن الاختلاف المدعي في القراءات بعهد النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يعرض بروايات ، تنقصها الدقة والوضوح والتحديد ، فتارة يطلق فيها التجوز بالأحرف السبعة بما لا دلالة فيه كما تقدم ، وتارة تنسب الاختلاف إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وكأنه مصدر من مصادر الفرقة في القراءات بينما العكس هو الصحيح لما رأيناه - فيما سبق - أن الاختلاف في القراءات جر المسلمين إلى صراع داخلي ونزاع هامشي تحسس الصحابة إلى خطره على القرآن فجمعوهم على قراءة واحدة « 1 » . وتارة تدعي هذه الروايات أن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أقرأ هذه بقراءة ، وغيره بقراءة أخرى ، وحينا يدعى بأن أحد الصحابة قد سمع من صحابي مثله قراءة ما ، لسورة ما ، تختلف عما سمعه هو من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ثم تحاكموا للرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فصحّح القراءتين ، أما : ما هي هذه السورة المختلفة الحروف ، وما هو عدد آياتها المتعددة القراءة ، وما هي كيفية هذا الاختلاف ونوعية فروقه ، فلم يصرح بجميع ذلك ، مما يجعلها روايات قابلة للشك ، ومع حسن الظن بالرواة فإن رواياتهم تلك قد تعبر عن السهو والاشتباه . إننا لا ننكر الاختلاف في القراءات بعهد مبكر ، فباستعراض تأريخ الموضوع يبدو أن تمايز القراءات كان موجودا قبل توحيد القراءة زمن عثمان ، فقد أشير إلى كثرة الاختلاف بعهده ، حتى قال الناس : قراءة ابن مسعود ، وقراءة أبي وقراءة سالم « 2 » . ولكننا نبقى مصرين أن وجهة التعميم في الروايات تبقى هي المسيطرة ، وعدم وضوح الرؤية يظل مخيما ، إذ أننا نحتاج بمثل هذا

--> ( 1 ) ظ : فيما سبق ، جمع القرآن . ( 2 ) ظ : مقدمتان في علوم القرآن : 44 .